أبي بكر الكاشاني
179
بدائع الصنائع
أولى ولا يجزئ دم الفدية الا في الحرم كدم الاحصار ودم المتعة والقران وأما الصدقة والصوم فإنهما يجزيان حيث شاء وقال الشافعي لا نجزئ الصدقة الا بمكة وجه قوله إن الهدى يختص بمكة فكذا الصدقة والجامع بينهما ان أهل الحرم ينتفعون بذلك ولنا قوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك مطلقا عن المكان الا أن النسك قيد بالمكان بدليل فمن ادعى تقييد الصدقة فعليه الدليل وأما قوله إن الهدى إنما اختص بالحرم لينتفع به أهل الحرم فكذا الصدقة فنقول هذا الاعتبار فاسد لأنه لا خلاف في أنه لو ذبح الهدى في غير الحرم وتصدق بلحمه في الحرم انه لا يجوز ولو ذبح في الحرم وتصدق به على غير أهل الحرم يجوز والدليل على التفرقة بين الهدى والاطعام ان من قال لله على أن أهدى ليس له أن يذبح الا بمكة ولو قال لله على اطعام عشرة مساكين أو لله على عشرة دراهم صدقة له ان يطعم ويتصدق حيث شاء فدل على التفرقة بينهما ولو حل على ظن أنه ذبح عنه ثم تبين انه لم يذبح فهو محرم كما كان لا يحل ما لم يذبح عنه لعدم شرط الحل وهو ذبح الهدى وعليه لاحلاله تناول محظور احرامه دم لأنه جنى على احرامه فيلزمه الدم كفارة لذنبه ثم الهدى بدنة أو بقرة أو شاة وأدناه شاة لما روينا ولان الهدى في اللغة اسم لما يهدى أي يبعث وينقل وفى الشرع اسم لما يهدى إلى الحرم وكل ذلك مما يهدى إلى الحرم والأفضل هو البدنة ثم البقرة لما ذكرنا في المتمتع ولما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحصر بالحديبية نحر البدن وكان يختار من الاعمال أفضلها وإن كان قارنا لا يحل الا بدمين عندنا وعند الشافعي يحل بدم واحد بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم ان القارن محرم باحرامين فلا يحل الا بهديين وعنده محرم باحرام واحد ويدخل احرام العمرة في الحجة فيكفيه دم واحد ولو بعث القارن بهديين ولم يبين أيهما للحج وأيهما للعمرة لم يضره لان الموجب لهما واحد فلا يشترط فيه تعيين النية كقضاء يومين من رمضان ولو بعث القارن بهدي واحد ليتحلل من الحج ويبقى في احرام العمرة لم يتحلل من واحد منهما لان تحلل القارن من أحد الاحرامين متعلق بتحلله من الآخر لان الهدى بدل عن الطواف ثم لا يتحلل بأحد الطوافين عن أحد الاحرامين فكذا بأحد الهديين ولو كان احرم بشئ واحد لا ينوى حجة ولا عمرة ثم أحصر يحل بهدي واحد وعليه عمرة استحسانا لان الاحرام بالمجهول صحيح لما ذكرنا فيما تقدم وكان البيان إليه ان شاء صرفه إلى الحج وان شاء إلى العمرة لأنه هو المجمل فكان البيان إليه كما في الطلاق وغيره والقياس ان لا تتعين العمرة بالاحصار لعدم التعيين قولا ولا فعلا لان ذلك ان يأخذ في عمل أحدهما ولم يوجد الا انهم استحسنوا وقالوا تتعين العمرة بالاحصار لأن العمرة أقلهما وهو متيقن ولو كان أحرم بشئ واحد وسماه ثم نسيه وأحصر يحل بهدي واحد وعليه حجة وعمرة اما الحل بهدي واحد فلانه محرم باحرام واحد وأيهما كان فإنه يقع التحلل منه بدم وحد واما لزوم حجة وعمرة فلانه يحتمل انه كان قد أحرم بحجة ويحتمل بعمرة فإن كان احرامه بحجة فالعمرة لا تنوب منابها وإن كان بالعمرة فالحجة لا تنوب منابها فيلزمه ان يجمع بينهما احتياطا ليسقط الفرض عن نفسه بيقين كمن نسي صلاة من الصلوات الخمس انه يجب عليه إعادة خمس صلوات ليسقط الفرض عن نفسه بيقين كذا هذا وكذلك ان لم يحصر ووصل فعليه حجة وعمرة ويكون عليه ما على القارن لأنه جمع بين الحج والعمرة على طريق النسك واما مكان ذبح الهدى فالحرم عندنا وقال الشافعي له ان يذبح في الموضع الذي أحصر فيه احتج بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الهدى عام الحديبية ولم يبلغنا انه نحر في الحرم ولان التحلل بالهدى ثبت رخصة وتيسيرا وذلك في الذبح في أي موضع كان ولنا قوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله ولو كان كل موضع محلا له لم يكن لذكر المحل فائدة ولأنه عز وجل قال ثم محلها إلى البيت العتيق أي إلى البقعة التي فيها البيت بخلاف قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق ان المراد منه نفس البيت لان هناك ذكر بالبيت وههنا ذكر إلى البيت وأما ما روى من الحديث فقد روى في رواية أخرى انه نحر هديه عام الحديبية في الحرم فتعارضت الروايات فلم يصح الاحتجاج به وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة فجاء